ابن الأثير

493

أسد الغابة ( دار الفكر )

فلما توفى جاء الحسين إلى عائشة في ذلك فقالت : نعم وكرامة ، فبلغ ذلك مروان وبنى أمية فقالوا : واللَّه لا يدفن هنالك أبدا . فبلغ ذلك الحسين فلبس هو ومن معه السلاح ، ولبسه مروان ، فسمع أبو هريرة فقال : واللَّه إنه لظلم ، يمنع الحسن أن يدفن مع أبيه ! واللَّه إنه لابن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ، ثم أتى الحسين فكلمه وناشده اللَّه ، وقال : أليس قد قال أخوك : إن خفت فردني إلى مقبرة المسلمين ، ففعل ، فحمله إلى البقيع . ولم يشهده أحد من بنى أمية إلا سعيد بن العاص ، كان أميرا على المدينة ، فقدمه الحسين للصلاة عليه ، وقال : لولا أنها السنة لما قدمتك . و قيل : حضر الجنازة أيضا خالد بن الوليد بن عقبة ابن أبي معيط ، سأل بنى أمية فأذنوا له في ذلك ، ووصى إلى أخيه الحسين ، وقال له : لا أرى أن اللَّه يجمع لنا النبوة والخلافة ، فلا يستخفّنّك أهل الكوفة ليخرجوك . قال الفضل بن دكين : لما اشتد المرض بالحسن بن علي رضى اللَّه عنهما جزع ، فدخل عليه رجل فقال : يا أبا محمد ، ما هذا الجزع ! ما هو إلا أن تفارق روحك جسدك فتقدم على أبويك : على وفاطمة ، وجديك النبي صلّى اللَّه عليه وسلم وخديجة ، وعلى أعمامك حمزة وجعفر ، وعلى أخوالك القاسم والطيب والطاهر وإبراهيم ، وعلى خالاتك : رقية وأم كلثوم وزينب ، فسرّى عنه . ولما مات الحسن أقام نساء بني هاشم عليه النوح شهرا ، ولبسوا الحداد سنة . أبو الحوراء : بالحاء المهملة ، والراء . أخرجه الثلاثة . 1166 - حسيل بن جابر ( ب د ع ) حسيل [ ( 1 ) ] بن جابر بن ربيعة العبسيّ ، والد حذيفة بن اليمان ، وقد تقدم الكلام على نسبه في حذيفة ابنه ، وهو حليف بنى عبد الأشهل ، من الأنصار ، شهد هو وابناه : حذيفة وصفوان أحدا ، مع النبي صلّى اللَّه عليه وسلم ، فقتل حسيل ، قتله المسلمون خطأ . أخبرنا عبيد اللَّه بن أحمد بن السمين بإسناده إلى يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن عاصم ابن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد قال : لما خرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم إلى أحد ، رفع حسيل بن جابر ، وهو اليمان ، أبو حذيفة بن اليمان ، وثابت بن وقش بن زعوراء في الآطام مع النساء والصبيان ، وهما شيخان كبيران ، فقال أحدهما لصاحبه : لا أبا لك ، ما تنتظر ؟ فو اللَّه ما بقي لواحد منا من عمره إلا مثل ظمء [ ( 2 ) ] حمار ، إنما نحن هامة [ ( 3 ) ] اليوم أو غدا ، أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ، لعل اللَّه أن يرزقنا الشهادة مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ؟ فأخذا أسيافهما ، ولحقا برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ، ودخلا في المسلمين ولا يعلم بهما ، فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون ، وأما حسيل بن جابر فاختلفت عليه أسياف المسلمين ، وهم

--> [ ( 1 ) ] في الإصابة : حسيل بالتصغير ، ويقال : بالتكبير . [ ( 2 ) ] الظمء : مقدار ما يكون بين الشربتين ، وخص الحمار لأنه أقل الدواب صبرا على الماء . [ ( 3 ) ] الهامة : كانوا يزعمون أنه يخرج من رأس القتيل طائر لا يزال يصيح : اسقوني اسقوني ، حتى يؤخذ بثأره ، فضربته العرب مثلا للموت .